أحمد مصطفى المراغي
76
تفسير المراغي
تفسير المفردات بطرت : أي بغت وتجبرت ولم تحفظ حق اللّه ، وأمّها : أكبرها وأعظمها ، وهي قصبتها ( عاصمتها ) . المعنى الجملي هذا هو الرد الثاني على شبهتهم ، فإنه بعد أن بين ما خص به أهل مكة من النعم أتبعه بما أنزله على الأمم الماضية الذين كانوا في رغد من العيش ، فكذبوا الرسل ، فأزال عنهم تلك النعم ، وأحل بهم النقم . وإجمال هذا - إن قولكم لا نؤمن خوفا من زوال النعم ليس بحق ، بل الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم . ثم بين أن من سنته تعالى ألا يهلك قوما إلا إذا أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين . الإيضاح ( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ) أي وكثير من القرى أثرى أهلها وسعوا في الأرض فسادا وبطروا تلك النعم ، فخرّب اللّه ديارهم ، وأصبحت خاوية لم يعمر منها إلا أقلها ، وصار أكثرها خرابا يبابا . ونحو الآية قوله : « وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ » . ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ) لهم ، إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر ما يتصرفون فيه . والشيء إذا لم يبق له مالك معين قيل إنه ميراث اللّه ، لأنه هو الباقي بعد خلقه . ونحو الآية قوله : « وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ » .